ابن كثير

290

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال السدي : ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات ، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان ، وقال عكرمة : ظاهره نكاح ذوات المحارم « 1 » . والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله ، وهي كقوله تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأعراف : 33 ] الآية ، ولهذا قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ أي سواء كان ظاهرا أو خفيا ، فإن اللّه سيجزيهم عليه . قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه ، عن النواس بن سمعان قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإثم ، فقال « الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 121 ] وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم اللّه عليها ، وإن كان الذابح مسلما ، وقد اختلف الأئمة رحمهم اللّه في هذه المسألة ، على ثلاثة أقوال : فمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة ، وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا ، وهو مروي عن ابن عمر ، ونافع مولاه ، وعامر الشعبي ، ومحمد بن سيرين ، وهو رواية عن الإمام مالك ، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين ، وهو اختيار أبي ثور ، وداود الظاهري ، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي ، من متأخري الشافعية ، في كتابه « الأربعين » ، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية ، وبقوله في آية الصيد فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [ المائدة : 4 ] ثم قد أكد في هذه الآية بقوله وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ والضمير قيل عائد على الأكل ، وقيل عائد على الذبح ، لغير اللّه ، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد ، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة : « إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه عليه فكل ما أمسك عليك » « 2 » وهما في الصحيحين ، وحديث رافع بن خديج « ما أنهر الدم وذكر اسم اللّه عليه فكلوه » « 3 » وهو في الصحيحين أيضا ، وحديث ابن مسعود : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال للجن « لكم كل عظم ذكر اسم اللّه عليه » « 4 » رواه مسلم ، وحديث جندب بن سفيان البجلي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ، ومن لم يكن ذبح ، حتى صلينا فليذبح باسم

--> ( 1 ) ينظر تفسير الطبري 5 / 323 - 324 . ( 2 ) صحيح البخاري ( وضوء باب 33 ) وصحيح مسلم ( صيد حديث 1 ) ( 3 ) صحيح البخاري ( ذبائح باب 15 ) وصحيح مسلم ( أضاحي حديث 20 ) ( 4 ) صحيح مسلم ( صلاة حديث 15 )